خبير اقتصادي
أعادت الارتفاعات المتواصلة في أسعار النفط والطاقة خلال الفترة الماضية الضغوط التضخمية إلى واجهة المشهد العالمي، مع انتقال أثرها تدريجياً إلى كلف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات وان كانت بشكل مختلف بين الدول. ونتيجة لذلك، تواجه الأسر ضغوطاً إضافية على قدرتها الشرائية، فيما تجد الحكومات نفسها أمام تحدٍ متجدد: كيف تخفف أثر هذه الزيادة على المواطنين، من دون أن تتحول كلفة الحماية إلى أعباء أكبر على الموازنات العامة في المستقبل؟
اخذ قرار بين تثبيت الأسعار والدعم المباشر للأسر، لا يخفي كلفة ارتفاع الطاقة؛ بل يجعلها تنتقل من جهة إلى أخرى. والتحدي هو تخفيف الصدمة عن المواطنين من دون إضعاف المالية العامة أو تأجيل المشكلة.
لهذا تجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة: تمرير الزيادة سريعاً، قد يضغط على القدرة الشرائية ويرفع التضخم، فيما يؤدي امتصاصها بالكامل إلى تحميل الموازنة كلفة قد تتزايد مع استمرار الصدمة. وقد يبدو تثبيت الأسعار حلاً فورياً، لكنه لا يلغي الكلفة؛ إنما يغيّر الجهة التي تتحملها وموعد ظهورها.
فإذا خفّضت الحكومة أسعار الوقود أو الكهرباء، تحملت الخزينة الفرق، أو تحملته شركة حكومية، أو انعكس في إيرادات أقل أو التزامات مؤجلة. وفي النهاية قد يظهر العبء في صورة عجز أعلى أو دين أكبر أو موارد أقل للإنفاق على خدمات أخرى. عندها لا تختفي كلفة الطاقة عن المواطنين، بل قد تعود إليهم بصورة أقل وضوحاً وأطول أمداً.
لكن تمرير كامل الزيادة إلى المستهلكين ليس خياراً بسيطاً أيضاً. فالارتفاع المفاجئ في الأسعار يمكن أن يضعف القوة الشرائية، ويرفع كلفة الأعمال، ويؤثر في التضخم والنشاط الاقتصادي. ويكون العبء أشد على الأسر الأقل دخلاً، لأن الطاقة والنقل والسلع الأساسية تشغل حصة أكبر من إنفاقها. لذلك قد يكون تدخل الحكومة ضرورياً لتخفيف أثر الصدمة، خصوصاً عندما تكون الزيادة حادة أو سريعة كما يحدث حايا منذ شهور.
المهم هو طبيعة هذا التدخل. فالدعم الشامل لأسعار الطاقة يصل إلى الجميع، بمن فيهم أصحاب الاستهلاك الأعلى، وقد يكلّف المالية العامة مبالغ كبيرة. كما يمكن أن يضعف الحافز إلى ترشيد الاستهلاك، في وقت تكون فيه الطاقة مرتفعة الكلفة على الاقتصاد. أما الدعم الموجّه إلى الأسر الأكثر تأثراً، أو إلى الفئات والقطاعات التي يصعب عليها التكيف سريعاً، فيتيح تركيز الموارد على من يحتاج إليها بدرجة أكبر.
ولا يعني ذلك أن الدعم الموجّه سهل التنفيذ. فهو يحتاج إلى بيانات دقيقة، وقنوات واضحة للوصول إلى المستحقين، وإجراءات سريعة بما يكفي لمواكبة الصدمة. وإذا تأخر الدعم أو لم يصل إلى الفئات المعنية، فقد تصبح السياسة أقل فاعلية، حتى لو كانت أقل كلفة على الموازنة. لذلك ينبغي أن يكون تحسين أدوات الاستهداف جزءاً من سياسة الحماية، لا مجرد تفصيل إداري.
وتختلف قدرة الحكومات على التعامل مع الصدمة من بلد إلى آخر. فالدول المستوردة للطاقة تواجه ضغطاً مباشراً على فاتورة الاستيراد والميزان الخارجي، بينما قد تستفيد الدول المنتجة من ارتفاع أسعار صادراتها حال تمكنت من ذلك، لكن ذلك لا يعزلها بالضرورة عن ارتفاع كلفة الوقود والنقل والمواد الأولية، أو عن آثار الأسعار العالمية في المستهلكين والقطاعات المحلية. ومن ثم لا توجد وصفة واحدة تناسب جميع الاقتصادات العربية؛ فالتصميم يعتمد على موارد كل دولة، وبنية دعمها، وقدرتها على الوصول إلى الأسر الأكثر تضرراً.
يمكن للحكومات أن توازن بين حماية المواطنين واستدامة المالية العامة عبر مجموعة من الخيارات: تقديم دعم مؤقت وموجّه، والإفصاح بوضوح عن كلفته، ومراجعة التدابير دورياً، وربطها بمؤشرات محددة لأسعار الطاقة. كما يمكن اعتماد تعديلات تدريجية للأسعار بدلاً من نقل الزيادة كاملة دفعة واحدة، مع حماية الفئات الأقل قدرة على تحملها. ويساعد الاستثمار في كفاءة الطاقة والنقل العام والبدائل المحلية على تقليل تعرض الاقتصاد للصدمات المقبلة، وإن كانت هذه الحلول تحتاج إلى وقت كي تظهر نتائجها.
الشفافية أساسية في هذا المسار. فعندما يعرف المواطن حجم الدعم ومدته ومصدر تمويله، تصبح المفاضلة أوضح: ما الذي تتحمله الخزينة؟ وما الذي يصل إلى الأسر؟ وما الإنفاق الذي قد يتأثر إذا استمرت الصدمة؟ أما إخفاء الكلفة أو تأجيل إعلانها، فيمنح راحة مؤقتة لكنه يضعف القدرة على تقييم السياسة وتصحيحها.
السؤال، إذن، ليس ما إذا كان ينبغي للحكومات التدخل عند ارتفاع أسعار الطاقة، بل كيف تتدخل. حماية الأسر من صدمة مفاجئة هدف مشروع، لكن تحويل الدعم المؤقت إلى التزام مفتوح قد يجعل كلفة اليوم عبئاً على موازنات الغد. والسياسة الأكثر توازناً هي التي تخفف الصدمة عن الفئات الأشد تأثراً، وتحافظ في الوقت نفسه على وضوح الكلفة المالية والحافز إلى ترشيد الاستهلاك.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي